الذكاء الاصطناعي والعمل القانوني في الاردن: الفرص والمخاطر والتوصيات
شهد القطاع القانوني تحولا جوهريا مع دخول تقنيات الذكاء الاصطناعي، التي اسهمت في اعادة تشكيل طبيعة الخدمات القانونية، سواء في تقديم الاستشارات، او صياغة العقود، او تحليل النزاعات. ولم يعد دور المحامي مقتصرا على المعرفة القانونية المجردة، بل اصبح من الضروري تعزيز قدرته على توظيف الادوات الرقمية بصورة واعية، دون اعتماد كلي عليها او رفض مطلق لاستخدامها، مع ضرورة تحليل ما قد ينشأ عن استخدامها من ثغرات ومخاطر يمكن ان يستفيد منها الخصم.
اولا: مظاهر التحول في الخدمات القانونية بفعل الذكاء الاصطناعي
اعاد الذكاء الاصطناعي تشكيل الخدمات القانونية من خلال عدد من التطبيقات، من ابرزها:
- اتمتة الاعمال القانونية الروتينية: مثل اعداد مسودات العقود الاولية، ومراجعة المستندات، واستخراج البيانات القانونية، والمساعدة في اعمال الصياغة.
- تحليل البيانات القانونية: من خلال تحميل الملفات او ارفاق الوقائع والحالات القانونية لتحليلها، بما قد يختصر الوقت والجهد. ومع ذلك، تبقى الاشكالية قائمة بشأن دقة التحليل ومدى استناده الى اسس قانونية سليمة ومناسبة للوقائع المعروضة.
- الخدمات القانونية الرقمية: توفر بعض المنصات خدمات تتيح للافراد والشركات الحصول على معلومات او استشارات قانونية اولية بصورة فورية او شبه فورية، بالاضافة الى توفير نماذج قانونية جاهزة.
- خدمة العملاء والرد الالي: تعتمد بعض الشركات على انظمة الرد الالي للتعامل مع استفسارات العملاء وتقديم المساعدة الاولية، الا ان هذه الانظمة تظل محدودة في قدرتها على التعامل مع التفاعلات المعقدة، مما يجعل تحويل العميل الى موظف مختص اكثر ملاءمة في الحالات التي تتطلب فهما دقيقا ومتابعة مستمرة.
- وقد ساهم هذا التطور في تسريع بعض الاجراءات وخفض التكاليف، لكنه في الوقت ذاته اثار اشكاليات تمس جوهر العمل القانوني، وخلق مخاطر ومسؤوليات قد يكون المستخدم في غنى عنها اذا اعتمد على مخرجات الذكاء الاصطناعي دون مراجعة وتمحيص.
ثانيا: اشكاليات الاعتماد على الذكاء الاصطناعي في صياغة العقود وخدمة العملاء
- غياب الفهم الكامل لسياق العقد: رغم قدرة الذكاء الاصطناعي على توليد نصوص قانونية قد تبدو سليمة من الناحية الشكلية، فانه لا يستوعب بالضرورة الارادة الحقيقية للاطراف او جميع الظروف المحيطة بالعقد، وهي عوامل قد تؤثر بصورة مباشرة في مضمون العقد والبنود المناسبة له.
- الاعتماد على انماط عامة بدلا من خصوصية كل حالة: قد تنتج الانظمة نصوصا مبنية على انماط عامة لا تراعي بصورة كافية المصالح والاهداف الخاصة بالعميل. والوصول الى صياغة مخصصة تراعي الوقائع والمخاطر والمصلحة القانونية للعميل يتطلب خبرة بشرية وحكما مهنيا.
- مخاطر الصياغة غير الدقيقة: قد يؤدي الاعتماد على مخرجات الذكاء الاصطناعي الى عبارات غامضة او متعارضة، اذ لكل تشريع خصوصيته ولكل عقد ظروفه ومصطلحاته. كما قد يتم اغفال شروط جوهرية، مثل شرط التحكيم، او القوة القاهرة، او الاختصاص القضائي، او صياغتها بطريقة لا تتفق مع الغرض المقصود او القانون الواجب التطبيق.
- مشكلة التكييف القانوني: قد يصيغ الذكاء الاصطناعي عقدا دون ان يحسم بصورة دقيقة طبيعته القانونية. فقد تكون العلاقة، بحسب الوقائع الفعلية، عقد عمل او مقاولة، او وكالة او شراكة. كما ان اختيار الشكل القانوني للشركة وشروط تاسيسها وتسجيلها يتطلب فحص الوقائع والنصوص القانونية ذات الصلة. ويؤثر هذا التكييف في القانون الواجب التطبيق والاثار القانونية المترتبة على العلاقة.
- مشكلات تحليل العقود القانونية: لا تقتصر عملية تحليل العقد على قراءة البنود، بل تشمل تفسيرها، وتقييم المخاطر، وربطها بنصوص القانون والاجتهاد القضائي عند الاقتضاء. وقد تكون بعض التفسيرات التي تنتجها ادوات الذكاء الاصطناعي عامة او غير متوافقة مع القانون الوطني. فعلى سبيل المثال، قد يكون بند معين مقبولا في عقد دولي، بينما يخضع لقيود او احكام مختلفة بموجب القانون الاردني، وهو ما يزيد المخاطر في العقود العابرة للحدود.
- استخدام الذكاء الاصطناعي في خدمة العملاء: تستخدم بعض الشركات انظمة الرد الالي للاجابة عن استفسارات العملاء وتوجيههم بصورة اولية بهدف تقليل الضغط على الموظفين. الا ان هذه الانظمة قد لا تكون قادرة على التعامل مع الحالات المعقدة او الاسئلة الدقيقة التي تتطلب حوارا متكاملا ومتابعة مستمرة، وقد تقدم اجابات عامة او غير دقيقة، مما يستدعي في نهاية المطاف تدخل موظف مختص.
ثالثا: فوائد استخدام الذكاء الاصطناعي
رغم المخاطر والانتقادات المرتبطة باستخدام الذكاء الاصطناعي، لا يمكن انكار بعض المزايا التي يمكن تحقيقها من خلال استخدامه بصورة واعية ومنضبطة، ومنها:
خفض التكلفة: يمكن لبعض ادوات الذكاء الاصطناعي توفير خدمات او وظائف قانونية بتكلفة منخفضة، سواء من خلال الخدمات المجانية، او الاشتراكات الشهرية، او نماذج الدفع الاخرى، بما قد يجعل بعض الخدمات متاحة لشريحة اوسع من المستخدمين.
السرعة والكفاءة: يمكن للذكاء الاصطناعي المساعدة في اعداد المستندات الاولية والاجابة عن الاسئلة العامة بسرعة، كما يمكن استخدامه في اي وقت دون الارتباط بساعات العمل التقليدية.
تقليل الضغط على الكادر البشري: يمكن استخدامه لتوفير معلومات اولية وتحليلات مساعدة، بما يتيح للمتخصصين توجيه وقتهم الى المهام التي تتطلب حكما قانونيا وخبرة مهنية، مع الاستفادة من ادوات الرقمنة الحديثة.
رابعا: الذكاء الاصطناعي والخدمات القانونية في ضوء التشريع الاردني
يوفر تطور تقنيات الذكاء الاصطناعي فرصا لزيادة السرعة والكفاءة، لكنه يثير في الوقت ذاته اشكاليات قانونية عند تطبيقه في البيئة القانونية الاردنية، ولا سيما فيما يتعلق بالمسؤولية، وصحة العقود، وسرية المعلومات وحمايتها.
المسؤولية القانونية: لا يعامل القانون المدني الاردني الذكاء الاصطناعي كشخص قانوني مستقل، وتبقى المسؤولية القانونية مرتبطة بالاشخاص الطبيعيين او الاعتباريين وفقا للقواعد القانونية المنطبقة. وتنص المادة 256 من القانون المدني الاردني على قاعدة عامة مفادها ان كل اضرار بالغير يلزم فاعله بضمان الضرر، وفقا للنص وشروط انطباقه. وبناء على ذلك، فان وقوع ضرر نتيجة استخدام اداة ذكاء اصطناعي لا يعني بذاته انتقال المسؤولية الى النظام التقني، بل يجب تحديد الشخص او الجهة المسؤولة وفقا للوقائع والقواعد القانونية ذات الصلة. ولا يكفي وصف الخطأ بانه تقني لنفي المسؤولية متى توافرت عناصرها القانونية.
صحة العقود: يثير الاعتماد على الذكاء الاصطناعي في صياغة العقود مسائل تتعلق بالرضا وفهم الاطراف لمضمون العقد. وتنص المادة 90 من القانون المدني الاردني على ان العقد ينعقد بمجرد ارتباط الايجاب بالقبول، مع مراعاة ما يقرره القانون من اوضاع معينة للانعقاد. ولا يعني استخدام اداة ذكاء اصطناعي في الصياغة، بحد ذاته، بطلان العقد؛ غير ان اعتماد احد الاطراف على نص مولد آليا دون فهم مضمونه قد يثير، بحسب الظروف، مسائل تتعلق بالغلط او بعيوب الارادة، كما قد تؤدي العبارات الغامضة او المتناقضة الى نزاعات بشأن تفسير العقد.
التكييف القانوني للعقد: يعد التكييف من المسائل التي تتطلب فحص الوقائع والاثار القانونية المترتبة عليها. وقد تصاغ علاقة بصورة توحي بانها عقد مقاولة، بينما تؤدي الوقائع الفعلية الى اعتبارها علاقة عمل، او العكس، وهو اختلاف قد يترتب عليه تطبيق قواعد قانونية مختلفة واثار قانونية جوهرية.
سرية المعلومات وحمايتها: قد يؤدي ادخال معلومات تتعلق بالعملاء، او العقود، او النزاعات، او الاسرار المهنية في ادوات الذكاء الاصطناعي الى مخاطر تتعلق بالخصوصية والسرية وحماية البيانات، بحسب طبيعة المنصة وشروط استخدامها وكيفية معالجة البيانات. ولذلك يجب عدم ادخال معلومات حساسة في منصات غير موثوقة او غير واضحة من حيث سياسات حماية البيانات والاحتفاظ بالمعلومات واستخدامها.
خامسا: توصيات قانونية للشركات في استخدام الذكاء الاصطناعي في المسائل القانونية
في ظل الاشكاليات التي قد يثيرها استخدام الذكاء الاصطناعي، يتعين على الشركات، ولا سيما الشركات التي تعتمد عليه في الاعمال القانونية، تبني نهج منظم وحذر يضمن الاستفادة من هذه التقنيات دون تعريضها لمخاطر قانونية غير ضرورية. ومن اهم التوصيات:
- عدم الاعتماد الكلي على الذكاء الاصطناعي في صياغة العقود او مراجعتها: ينبغي التعامل معه كاداة مساعدة تخضع لمراجعة بشرية متخصصة. فالعقود تعكس توازنا دقيقا بين المصالح، وتتطلب في كثير من الحالات تكييفا قانونيا دقيقا وفهما للظروف الخاصة بكل معاملة، وهي امور لا ينبغي تفويضها بصورة كاملة الى نظام آلي.
- وضع سياسات داخلية واضحة لتنظيم استخدام الذكاء الاصطناعي: يجب تحديد نطاق استخدامه، والحالات المسموح فيها بالاعتماد عليه، والضوابط اللازمة للتحقق من مخرجاته. كما ينبغي منع اتخاذ قرارات قانونية جوهرية استنادا الى مخرجات هذه الانظمة دون مراجعة قانونية بشرية مناسبة، ويمكن دمج هذه الضوابط ضمن سياسات الحوكمة الداخلية للشركة.
- حماية الخصوصية وسرية المعلومات: يجب التأكد من ان استخدام الذكاء الاصطناعي لا يؤدي الى كشف بيانات العملاء او العقود او النزاعات القائمة. ويشمل ذلك اختيار منصات موثوقة، وفهم سياسات معالجة البيانات، وتجنب ادخال البيانات الحساسة في الانظمة غير المضمونة، ووضع سياسات واضحة لحماية البيانات بما يتفق مع الالتزامات القانونية والمهنية.
- مراجعة شروط استخدام منصات الذكاء الاصطناعي: غالبا ما تتضمن شروط الاستخدام احكاما تحدد مسؤولية مقدم الخدمة او تعفيه منها في حالات معينة. لذلك يعد فهم هذه الشروط وتحليلها قانونيا امرا ضروريا لتجنب الالتزامات غير المتوقعة او فقدان بعض الحقوق القانونية.
- اعتماد نموذج تشغيلي يجمع بين الذكاء الاصطناعي والخبرة البشرية: يمكن استخدام الانظمة التقنية لتسريع العمليات والاعمال الاولية، على ان يتولى المتخصصون مراجعة النتائج واتخاذ القرارات النهائية. ويحقق هذا النموذج توازنا افضل بين الكفاءة التقنية والسلامة القانونية.
الختامة.
لا يوصى بالاعتماد الكلي على ادوات الذكاء الاصطناعي في صياغة او تحليل الاعمال القانونية، نظرا لما قد يشوب مخرجاتها من قصور في الدقة او غياب للفهم العميق لخصوصية كل حالة. فالخدمة القانونية تتطلب ادراكا مهنيا وتحليلا بشريا يجمع بين الخبرة والاجتهاد والتقدير القانوني، وهي عناصر لا يمكن استبدالها بالكامل بالانظمة التقنية.
كما يقدم فريقنا حلولا قانونية مصممة وفقا لاحتياجات كل عميل، مع مراعاة التفاصيل والخصوصية القانونية لكل حالة، بما يهدف الى تقديم خدمة قانونية اكثر دقة وموثوقية. يمكنكم التواصل معنا لطرح استفساراتكم والحصول على الدعم القانوني المناسب.